فصل من كتاب الوعد الحق | طه حسين
فصل من كتاب الوعد الحق
معلومات عن الكتاب
المؤلف : طه حسين
البلد : مصر
لغة الكتاب : العربية
النوع الأدبي : الدين الإسلامي | سيرة سيدنا محمد
عدد الصفحات : 172
تعريف بقسم فصل من كتاب :
يخصص موقع زبدة بوك قسم خاص على المنصة يهتم بنشر مقتطفات أوفصول من الكتب المتنوعة الرائجة على الإنترنت .. وهذا القسم بمثابة تعريف بالكتاب قبل الإقبال على قرائته وهذا لمعرفة محتوى الكتاب وهل هو مناسب لذوق القارئ أم لا .. نحن لا ننوه ولا نروج أو نحبذ أي من الكتب .. بيتم إختيار الكتب عشوائيا أو بناء على رغبة الجمهور أولا وآخرا .. قراءة ممتعة
فصل من كتاب الوعد الحق تأليف طه حسين :
( 22 )
لم يكد عمر ينهض بأمور المسلمين بعد صاحبه حتى مضى في سياسة الفتح التي ابتدأها من قبله . لم يهن ولم يضعف ، ولم يتح لأحد من الناس أن يهن أو يضعف ، وإنما رمى العالم القديم المتحضر بثقل العرب ، فلم يثبت له العالم المتحضر إلا ريثما تداعى ثم انهار . وكان عمر لا ينام ولا ينيم ، وإنما كان يقظا دائما ،موقظا دائما ، عاملا دائما ، دافعا غيره إلى العمل . وقد فتح عمر للذين أسلموا بأخرة من عامة العرب ومن خاصة قريش أبواب الجهاد على مصاريعها ، وألقى في روعهم جميعا أن من فاته ثواب الغزو مع النبي صلى الله عليه وسلم فلم يشهد معه بدراولا أحدا ولا الخندق ولا غيرها من المشاهد ، فإن أمامه ملك الروم وفارس يستطيع أن يستدرك فيهما ما فاته من حسن البلاء .و أي بلاء أحسن من أن يكون الرجل قد تقدمت به السن ، والرجل لم يكد يخرج من شبابه ، والفتى لم يكد ينضو عنه ثوب الصبا ، وسيلة إلى تحقيق وعد الله عز وجل وتصديق قوله : " وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدّلّنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا " .
لقد اندفعت العرب حين دفعها عمر ، فلم تجد أمامه صعوبة إلا قهرتها ، ولا عقبة إلا ذللتها ولا مقاومة إلا جعلتها هباء . ولم يكن أصحاب رسول الله والذين شهدوا معه المشاهد منهم خاصة أقل اندفاعا إلى الجهاد واستباقا إلى الغزو ومن الذين أسلموا بآخرة . ولم يكن عمر يصدهم عن ذلك أو يردهم عنه ، وإنما كان يخلي بينهم وبين ثواب الله يطلبونه ما وجدوا اليه سبيلا ، إلا أولئك الأشراف من قريش ، فإنه أمسكهم في المدينة لم يأذن لهم بالخروج ، خاف من عامتهم على الناس ، وخاف على خاصتهم من الفنية ، وكان أشراف الصحابة من قريش إ1ا أراد أحدهم أن يخرج للجهاد أبى عليه عمر ، وقال : قد غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يزجئك .
اما المستضعفون من أصحاب النبي من قريش ومن غير قريش فلم يخف عمر منهم ، ولم يخف عليهم فتنة ، فخلى بينهم وبين ما أرادوا من الجهاد وما ابتغوا من فضل الله . وكذلك انطلق بلال وأبو ذر وابن مسعود إلى الشام ، وانطلق غيرهم إلى العراق . وأقام في المدينة ما أمسكه ضعف الجسم أو أمسكته سياسة عمر . وأقبل خباب بن الأرت ذات يوم مسلما على عمر ومستأذنا في أكبر الظن في اللحاق بجيش من جيوش العراق ، فيهش له عمر ويستدنيه ويجلسه على متكئه ويقول : ما على الأرض أحدا أحق منك بهذا المجلس إلا رجلا واحدا . فيقول خباب : من هو يا أمير المؤمنين ؟ قال عمر : بلال . وروي بعضهم أنه قال : عمار بن ياسر . قال خباب : ما هو بأحق مني ، لقد كان له من قريش من يمنعه ويقوم دونه ، فأما أنا فلم يكن لي أحد ، ولقد رأيتم ذات يوم أخذوني ثم أوقدوا لي نارا فسلقوني فيها ، ثم يقبل رجل فيضع رجله على صدري ، فوالله ما اتقيت برد الأرض إلا بظهري . ثم رفع رداءه ليرى عمر ما بقي في ظهره من آثار العذاب . وينظر عمر ، وينظر من حضر من المسلمين ، فيرون شرا مورعا : يرون أن ظهره قد برص .
لم تمنعه الفتنة من أن يشهد مع رسول الله بدرا وأحدا والخندق والمشاهد كلها . ثم لم يكفه ذلك حتى أبى إلا أن يجاهد ، كأنه رأى أنه لم يلقى في سبيل الله مع هذا كله ما ينبغي أن يلقى من الجهد والمشقة والعناء . وقد انحدر إلى العراق فغزا مع الغازين ، وجاهد مع المجاهدين ، ورابط في الكوفة حتى أدركته الشيخوخة واشتد عليه الداء ، وأقبل مفر من أصحاب رسول الله يعودونه ، وقد اكتوى في بطنه سبع كيات ، وبرح به الألم كل تبريح . فلما دخلوا عليه رأوا رجلا مروعا قد ملك الخوف والحزن عليه أمره . فيقول لعواده من أصحاب النبي : لولا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهانا أن نتمنى الموت لتمنيته . ثم يسكت صوته ويسكن جسمه وتنهل دموعه على وجه غزارا .
فيعزيه عواده من أصحاب النبي يقولون له : أبشر أبا عبدالله ؛ إخوانك فلان وفلان وفلان ، تقدم عليهم غدا . فيغرق في البكاء حتى ما يستطيع كلاما ، ثم يثوب إليه شيء من هدوء فيقول في صوته الضعيف النحيف المتقطع : اما إنه ليس بي جزع ، ولكن ذكرتموني أقواما وسميتموهم لي إخوانا ، وإن أولئك مضوا بأجورهم كما هي ، وإني أن يكون ثواب ما تذكرون من تلك الاعمال ما اوتينا بعدهم . ثم تأخذه غشية تكف لسانه عن النطق حتى يظن أنه قد قضى أو كاد . ثم يرد إليه شيء من حياة ، فينظر فإذا كفنه قد أحضر ، وإذا هو من قباطي ، فيبكي ويقول : لكن حمزة عم النبي صلى الله عليه وسلم كفن في بردة ، فإذا مدت على قدميه قصلت ( ارتفعت ) عن رأسه ، وإذا مدت على رأسه قلصت عن قديمه ، حتى جعل عليه إذخر ( الحشيش الأخضر طيب الريح ) . ولقد رأيتني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أملك دينارا ولا درهما ، وإن في ناحية بيتي في تابوتي لأربعين ألف واف ، ولقد خشيت أن تكون قد عجلت لنا طيباتنا في حياتنا الدنيا . يقول بعض أولئك الرهط لبعض حين انصرفوا عنه : ألا ترون إلى خباب على كثرة ما احتمل وعلى كثرة ما عمل يخشى أن يلقى الله فقيرا ليس له كبير حظ من الصالحات ! فيقول قائلهم : وما يريبكم من ذلك ؟ ألم تعلموا أنا النبي صلى الله عليه وسلم قال للمرأة التي زعمت أن الله قد أكرم عثمان بن مظعون بعد موته : " وما يدريك أن الله قد أكرمه ! إني لرسول الله وما أدري ما يفعل بي ! " .
ولم يمنع المرض الموجع ولا الحزن اللازع زلا الخوف من لقاء الله خبابا من أن يكون ملعما ناصحا للمسلمين حتى في آخر عهده بالدنيا وأول عهده بالآخرة . كان الناس يدفنون موتاهم في جبابيهم قريبا من دورهم فيقول خباب لابنه حين أحس بالموت : يا بني غذا أنا مت فادفني بهذا الظهر ؛ فإن الناس إن رأوا ذلك قالوا صاحب من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يدفن بظهر الكوفة ، ثم دفنوا موتاهم خارج المدينة .
ومات خباب وصلى عليه علي رحمه الله ، ودفن بظاهر الكوفة ؛ فدفن الناس موتاهم حول قبره .
للذهاب إلى صفحة تحميل كتاب الوعد الحق pdf تأليف طه حسين من هنا

إرسال تعليق
0 تعليقات