أفيون وبنادق | صلاح عيسى
تحميل كتاب أفيون وبنادق - سيرة سياسية واجتماعية لخط الصعيد الذي دوخ ثلاث حكومات pdf تأليف صلاح عيسى
أفيون وبنادق - سيرة سياسية واجتماعية لخط الصعيد الذي دوخ ثلاث حكومات
معلومات عن الكتاب
المؤلف : صلاح عيسى
البلد : مصر
لغة الكتاب : العربية
النوع الأدبي : تاريخ | سياسة
عدد الصفحات : 237
جميع مؤلفات صلاح عيسى تحميل مجاني pdf من هنا
عن الكتاب :
خونة ، ومستعمرون ، وأولاد ليل ..
ولست في حاجة لأن أؤكد ن فصول التاريخ تحتفل أحيانا بوقائع وشخصيات ، ولولا أن كثيرين من الصادقين هم رواتها المعتمدين ؛ لكان محتما أن نعتبرها وليدة " سرحات " الخيال المريض ، أو العابث ، أو كليهما معا ..
ولأن التاريخ كالحياة لا يعطي أسراره لمن يخوضون بحره بعقول تفتقد لشجاعة البحث عن الحقيقة ، وجسارة الالتزام بها ؛ فما أكثر الظواهر التي تمر أمام أعين هؤلاء ، فلا تلفتهم ، ولا تهمهم ، فإذا فعلوا ذلك - في النادر القليل - فهموها على غير وجهها الصحيح ؛ فبخلت عليهم بأسرارها ، وضت بجوهرها .. ساعتها لا يبقى بين أيديهم من تلك الظواهر سوى وجهها السطحي ، وإثارتها غير المبررة ، تبعث على الظمن بأنها وليدة " سرحات " الخيال المريض ، أو العابث ، أو كليهما معا ..
والظاهرة التي ترصدها هذه الحكاية واحدة من تلك الظواهر الهامشية للتاريخ المصري ، لم تفز بأي محاولة لفهمها أو تفسيرها ، وقد كونت فكرتي الأولى عنها عندما لاحظت - وأنا أراجع الأوامر الرسمية التي صدرت في عهد الوالي محمد سعيد باشا أن كثيرا منها يتعلق بمن وصفته تلك الأوامر بالشقي الشهير عمر المصري ؛ فبعضهما يطلب القبض عليه ، والآخر يرصد مكافأة لذلك ، وثالث يحذر من معاونته .. وأنتهت الأوامر فجأة في عصر الخديو إسماعيل ( خليفة سعيد ) بأمر يعفو عن " الشقي الشهير عمر المصري " .
صفحة من كتاب أفيون وبنادق - سيرة سياسية واجتماعية لخط الصعيد الذي دوخ ثلاث حكومات :
الشمس تظهر في الأفق ، قطرات من ندى الفجر تتبخر ببطء تحت أشعتها الدافئة ، قليل من الليل ما زال ناشبا في دفء النهار ، وما بقي من قرطات الندى يعلق بأوراق عيدان الذرة الطويلة ، التي كانت آنذاك في أوج ارتفاعها ، مثقلة بكيزان لا حصر لها .
وعلى مدى البصر لا ترى العين شيئا سوى مساحات واسعة الاخضرار الزاهي ، وسنابل الذرة لا تهتز ؛ ذلك أن النهار كان ضنينا بالنسيم ، وبخيلا به .
وقليلون هم الذين يملكون الشجاعة للمرور أمام وابور مالطي في هذا الوقت من الصباح المبكر ، وحتى أيام كانت الدنيا أمانا ، فإن أحدا لم يكن يملك جسارة الذهاب بمفرده إلى هناك ؛ فالوابور يقع وسط خمسمسائة فدان من الذرة ، يحيط به من كل النواحي .
وفي هذا لوقت من أغسطس ( آب ) تتمدد عيدان الذرة ، ويصعب أن ترى العين وسط كثافتها المظلمة شيئا . ومن السهل دائما أن تختفي ماسورة البندقية بين اعوادها الطويلة : تنطلق فجأة ؛ فتسلب الإنسان الحياة ، أو المال ، وربما كليهما .
وابور مالطي أحد معالم قرية جحدم ( واحدة من قرى مركز منفلوط ) ، تقبع في استرخاء على حافة الصحراء بالوادي ؛ فهو يقع في زمامها ، ولا يستغرق الوصول إليه أكثر من عشر دقائق على الحمار ، يقطعها الراكب وسط البحر الأخضر ، حيث يحيط الظلام كل شيء ، حتى والشمس تملأ السماء ..
والبحر الأخضر تعبير صعيدي ، يصف تلك المساحات الكثيفة من الذرة التي تخرج عن مدى البصر ، تساعد كثافتها قطاع الطرق وأولاد الليل على اتخاذها ملجأ أمينا ؛ فهي ساتر طبيعي يخفي بين أعواده الخطر والخوف .

إرسال تعليق
0 تعليقات