رجال مرج دابق | صلاح عيسى
تحميل كتاب رجال مرج دابق - قصة الفتح العثماني لمصر والشام pdf تأليف صلاح عيسى
رجال مرج دابق - قصة الفتح العثماني لمصر والشام
معلومات عن الكتاب
المؤلف : صلاح عيسى
البلد : مصر
لغة الكتاب : العربية
النوع الأدبي : تاريخ | سياسة
عدد الصفحات : 246
جميع مؤلفات صلاح عيسى مجانا من هنا
عن الكتاب :
ماذا بقي منهم ؟
لا تزال المدرسة الخيربكية قائمة حتى اليوم بعد خمسمائة سنة من إنشائها ، تراها وانت صاعد إلى قلعة صلاح الدين بالقاهرة ، واقفة في شموخ وعظمة إلى يسار شارع التبانة ، ولكنك إن صعدت إلى القلعة ، ونظرت إليها فلا ترى فيها شموخا أو عظمة !
وهي مدرسة ومسجد ، شيدهما ملك الأمراء خاير بيك بن ملباي ، ومنحهما أسمه ، وبهما ضريح يثوي فيه جثمانه ، وسبيل أنشاه خاير بيك ليرتوي منه كل صاعد إلى القلعة ، وفوق السبيل مسكن كان مدرسة لتحفيظ القرآن الكريم .
ويوم أنشا ملك الأمراء خاير بيك هذه المدرسة ، كان حاجبا لحجاب السلطنة العربية المملوكية ، وواحدا من كبار أمراء المماليك ، فاختار أن يبني ضريحه في طريق القلعة ، ليقصده كل من صعد ليلقى السلطان ، يروي ظمأه من السبيل ، ويقرأ الفاتحة على روح منشئه ، وما أكثر الذين كانوا يصعدون إلى القلعة ، يوم كانت مصدر السلطة والنفوذ ، ومقر الحكم والسلطان .
لكن الناس ح حتى في تلك السنوات البعيدة - لم يرووا ظمأهم من السبيل ، ولم يقرأوا الفاتحة على روح منشئه ، ولم يطلبوا له الرحمة أ المغفرة ، لأن ما فعله كان صعبا أن ينسى !
ذلك حدث أيضا للسسطان قانصوه الغوري ، الذي يحمل واحد من أشهر أحياء القاهرة امه حتى اليوم ، وهو حي الغورية ، وبه وكالة الغوري وقبته ومسجده ومدرسته ، وضريحه الذي بناه وزخرفه ، وجعله في طريق الجامع الأزهر ، ليقرأ له الفاتحة كل من يزور المسجد الشهير للصلاة ، لكن الأقدار شاءت أن يموت قانصوه الغوري في صحراء مرج دابق ، فتأكل الجوارح جثته ، ويظل ضريحه خاليا ، يمر به السابلة في طريقهم إلى الأزهر ، فلا يرتفع صوت بدعاء ولا يطلب قلب مغفرة !
صفحة من كتاب رجال مرج دابق - قصة الفتح العثماني لمصر والشام :
لم يكن واحد من الرجال الذين ملأوا فضاء مرج دابق في تلك الليلة الصيفية الحارة يعرف على وجه التحديد كيف ستنتهي الأمور . كل ما كانوا يعرفونه أن الحرب قد أصبحت أمرا مقررا ،وأنها قد تنشب في أي لحظة ، وأن إقامتهم في هذا المرج الواسع لن تطول .
أما كيف تتوزع بينهم الحظوظ : من منهم سوف يؤخذ أسيرا ؟ ومن منهم سوف يسقط شهيدا في المعركة ؟ هل ينتصر الجيش الذي يقوده سلطانهم الملك الأشرف أبو النصر قانصوه الغوري ، أم ينتصر جيش عدوهم السلطان المظفر سليم خان بن يازيد العثماني ؟ فذلك كله لم يكن واحد منهم يعرف شيئا عنه .
قبل عشرة أيام وصل جيش السلطان الغوري إلى مرج دابق قادما من حلب ، فأحال المرج إلى معسكر حرب ضخم ، وبدلا من القطعان التي كانت ترعى فيه ، تناثرت في أرجائه خمسة عشرة خيمة كبيرة ، يقيم في كل واحدة منها أمير من كبار أمراء المماليك ، وحوله مماليكه وجنوده ، بالإضافة إلى قبائل العربان ، وجموع الفلاحين الذين جاءوا من كل أنحاء السلطنة العربية المملوكية : من القاهرة ودمشق ، ومن بيروت وطرابلس ، ومن غزة والقدس ، فقد كان المماليك يحكمون أيامها دول عربية متسعة الأرجاء ، تضم مصر وسوريا ولبنان وفلسطين والحجاز ، وتمتد من حدود ليبيا إلى الفرات ، ومن شمالي حلب وشرقيها إلى جنوبي الجزيرة العربية .
كانت الأيام الأخيرة من شهر رجب سنة 922 هـ ( أغسطس / آب 1516 مـ ) ، تمضي ببطء ، والقمر في السماء يتضاءل ليلة بعد أخرى ، فيبخل بضوئه على الرجال الذين كانوا يعانون حر شهر أغسطس / آب ، بينما تصاعد دخان المطابخ إلى السماء ، فازداد الظلام حلكة ، وأطبق الصمت على المكان ، لا تخدشه سوى حكة هنا وسعلة هناك ، وصهيل حصان ضايقة الدخان الذذي تخلل الهواء الراكد ، وصليل سيف انهمك صاحبه في سن حده ، وهمسات الرجال يتبادلون تحية المساء .
وفي بعض الليالي كان كثيرون منهم يغادرون الخيام ليتجمعوا في حلقات صغيرة يتناقلون الأنباء ، ويتناقشون في كافة الاحتمالات ، وربما فكر بعضهم في أن يستأذن على أحد مقدمي الألوف ليسأله عن موعد نشوب الحرب ، وهل اطول إقامتها في هذا المرج أم تقصر ، وسرعان ما يعدل عن ذلك ، فاجتماعات السلطان بكبار الأمراء لا تنقطع ، والسؤال يشغل ستين ألفا غيره ازدحم بهم فضاء مرج دابق ، وحتى السلطان نفسه يشغله السؤال ، فلا يعرف إجابة محددة .

إرسال تعليق
0 تعليقات